السبت، 6 فبراير 2010

صناعة اليخوت في إسكندرية



تعد صناعة اليخوت والمراكب من أصعب المهن؛ لكن بالنسبة لأهالي الإسكندرية، بخاصة أهالي حي الأنفوشي فهي تجري كالدم في عروقهم، حيث توارثوها عن أجدادهم. وبرغم أنهم لم يدرسوا تقنيات تصنيع اليخوت، إلا أنهم ـ وبالفطرة ـ أصبحوا أمهر صانعيها، وذاع صيتهم في شتي أنحاء العالم، حتى أن أثرياء أوروبا يأتون إليهم لاختيار اليخوت الخاصة بهم للتنزه بها عند وجودهم في مصر. منطقة الأنفوشي معروفة بكثافتها السكانية ويعمل غالبية سكانها بحرفة صيد الأسماك وصناعة القوارب، وقد بدأت صناعة اليخوت بها منذ عصر محمد علي باشا، الذي أدرك أهمية تلك المنطقة، وأقام بها ترسانة تشتمل على جميع ما يلزم لإنشاء وترميم المراكب الحربية وغيرها. وأضاف إليها معسكرا بحريا للتعليم ليصبح نواة للكلية البحرية فيما بعد، ومقرا لقيادة القوات البحرية. لذا تعتبر ورش صناعة اليخوت والمراكب في الإسكندرية من المعالم الأثرية المميزة بالمدينة، وقد يستغرب الكثيرون ذلك، إلا أن
 غلب الأوروبيين الرحالة قد رسموها في خرائطهم وكتبوا عنها أثناء وجودهم في مصر منذ عدة قرون. وتوجد هذه الورش على امتداد شاطئ الأنفوشي على هيئة أكواخ خشبية رسمت عليها جداريات تميز كل منها، وتطل من بينها متون اليخوت وقوارب الصيد في شموخ وعظمة على الرمال البيضاء في انتظار لحظة تدشينها. تعتبر منطقة الورش معلما سياحياً يأتي إليه السائحون ومعهم خرائط قديمة تظهر بها هذه الورش، حيث يشاهدون العمال وهم يصنعون اليخوت خطوة بخطوة بدءا من الهيكل أو البدن وحتى الطلاء والتجهيز وذلك بدون مهندسين وبدون رسومات «ماكيتات»، وعلى أعلى درجة من المتانة والدقة. كما يأتي الكثير من المخرجين السينمائيين والممثلين لتصوير مشاهد الأفلام التي تدور قصتها في الإسكندرية.

وعلى امتداد شاطئ الأنفوشي توجد حوالي 60 ورشة، من بينها ورش الحدادين والسباكين والطلاء والنجارين يبدأون العمل من طلوع الشمس إلي غروبها. وهناك غفر وحراس يحرسون المكان لأن البحر مفتوح وليس له بوابات، وأحياناً ترتكب بعض الجرائم ليلا حيث توجد أوكار على الشاطئ خلف هذه الورش. تعيش على صناعة اليخوت عائلات امتهنت صناعة اليخوت وورثتها لأبنائها وأحفادها، من أشهرها وأقدمها عائلة الدجيشي والتي يرجع تاريخها مع المهنة لأكثر من 200 سنة إبان عصر محمد علي وساهمت في بناء الأسطول البحري الملكي أي قبل ظهور الماكينات والمحركات وكان ذلك بالقلوع والأشرعة. كتب بيرم التونسي عن هذه العائلة بعضا من أزجاله، ويحفل تاريخها بأنها حصلت على شهادة تقدير من البحرية الأمريكية لمشاركتها في إصلاح عدد من القطع البحرية الأمريكية،‏ كما صنعت يختاً للسفارة الفرنسية و‏40‏ قاربا مجهزا لأجهزة الأمن وحرس الحدود بالسعودية‏.
علي الدجيشي من الجيل الثالث في هذه العائلة، يحتفظ بألبوم من الصور القديمة، وبه صور لأجداده في عهد أسرة محمد علي، يعود بذاكرته إلى ذلك العهد قائلاً «هذه الورشة أسست بجوار قلعة قايتباي منذ عام 1949م، وكنا قبل ذلك نعمل في ورشة في الميناء الشرقي أيام محمد علي باشا، وكان هناك أربع ورش كبرى: ورشة الدجيشي، والسلامي، ورجب، والجزيري، كان يعمل معنا ايطاليون ويونانيون ومالطيون وقد تعلمنا كثيراً من الأتراك وأكملنا الطريق، وحالياً يوجد عدد لا بأس به من الورش ولكن يوجد 3 ورش كبرى لليخوت. وقد خرج من تحت أيدينا حوالي 50% من إجمالي اليخوت الموجودة في مصر».
ويضيف «تعتبر مصر رائدة في هذا المجال سواء في صناعة المراكب الخشبية أو الحديد، كما أن الأنفوشي هي المدرسة التي خرجت منها ورش أخرى في السويس ودمياط ورشيد، كما خرج منها أمهر العاملين وذهبوا إلى ليبيا وتونس والجزائر ليعملوا فيها.

صنعت ورشة الدجيشي «لانشات» ومراكب ويخوت للرئيس عبد الناصر والسادات وللعديد من المشاهير في مصر والعالم العربي، منهم شريفة فاضل ومحمد الحلو ومعظم رجال الأعمال المصريين. يقول الدجيشي «اكبر يخت تستغرق صناعته 16 شهرا، وأصغر يخت 5 أشهر، وذلك حسب الحجم وكم الشغل، خاصة أننا نبني «شيئا من لا شيء». ويستطرد الدجيشي «أتذكر عندما كان عمري 7 سنوات وبالتحديد في عام 1956 صنع والدي 60 لانشا لحرس الحدود بالسعودية، والآن يكثر الطلب على اليخت خاصة من الأجانب والعرب ورجال الأعمال المصريين». وحول صناعة اليخوت، يقول «صناعة اليخت تشبه القوارب أو اللانشات، ولكن كلمة اليخت هي كلمة محببة للمشتري، وتعبر عن الرقي، ويختلف اليخت عن القوارب في التشطيب النهائي وجودته، كما أنه يخرج في رحلات طويلة حوالي 10 إلى 15 يوما، ولابد أن تكون ورش التصنيع قريبة من البحر لتتم تجربة اليخت في البحر».
أما عن أهم متطلبات المهنة فيقول صادق رؤوف صاحب أحد الورش «هذه المهنة تتطلب الكثير من الخبرة، فلا يصح أن يعمل بها أحد دون أن يكون قد اكتسب خبرة عملية، فالنجارون هنا معظمهم لا يعلم القراءة والكتابة ولم يعتمدوا على الدراسة في شيء وإنما على الإنتاج والاستفادة من الأخطاء وتلاشيها. فالمهنة تعتمد علي التمرس وتحتاج إلى تركيز ذهني مع العمل اليدوي، كما تحتاج إلى خيال إبداعي».
ويضيف «أحيانا نحتاج إلى مكاتب تصميمات هندسية وغالبا ما تكون تصميمات الديكور والأثاث، ولكن الهيكل التأسيسي لليخت تتم صناعته دون تصميم هندسي، ويأتي إلينا أساتذة من كليات الهندسة للتعرف على كيفية تصنيع اليخت عملياً، ويكونون في حالة انبهار من مهارة الأيدي العاملة في تصميم اليخوت، التي تتفق مع المواصفات الدولية التي تهتم بالنسب والأطوال وما إلى ذلك». تبدأ أسعار اليخوت من نصف مليون وتصل إلى 10 ملايين وفقاً للتجهيز، ويتم تأجير اليخت في اليوم الواحد بألف دولار، فكل شيء يدخل في صناعة اليخوت لابد أن يكون صنع خصيصاً للبحر فقط، وغالبا ما تستورد جميع الخامات، مما يزيد في تكلفتها. وفي الإسكندرية يمكن القيام برحلة بحرية قصيرة داخل سواحلها وهي لا تتعدى ألف دولار بينما تتكلف رحلة من الإسكندرية إلى شرم الشيخ ما يقرب من 10 آلاف دولار، وتتطلب الرحلات الخارجية مصاريف باهظة لما يلزمها من تصاريح ووقود وإمكانات بحرية ومعدات من محركات متطورة وحديثة وأجهزة لاسلكية بعيدة المدى ورادار، وأجهزة لقياس عمق المياه وغيرها. أما الريس يوسف معروف الذي يدير ورشة أولاد معروف، فيقول إن صناعة المراكب تطورت وأصبحت صناعة اليخوت أكثر تطوراً نظرا للطلب عليها لأغراض النزهات البحرية والغطس والصيد في سيناء خاصة شرم الشيخ والغردقة، وكل اليخوت التي نصنعها غالبا ما تكون في المياه الإقليمية المصرية إلا إذا كان الطلب أن تسافر للخارج. بالنسبة لأسعار اليخوت فهي حسب الطلب، وتختلف حسب الغرض منها إذا كان نزهة اليوم الواحد أو لاغراض الاقامة وتكون بها عدة غرف قد تصل الى 20 غرفة وقد يصل طوله إلى 40 مترا. وتتراوح قوة المحرك من 150 حصانا إلى 1500 حصان. وعن عدد العاملين اللازمين لصناعة اليخت، يقول إنه من الممكن أن يقوم 3 أفراد بصناعة يخت، وأيضا قد يحتاج اليخت إلى 30 فردا. وتتم تجربة اليخت في الميناء الشرقي لأنها معدة لذلك جيدا، هناك فنار ورصيف، وبعد تجربة الأداء يتم استخراج التصاريح سواء داخل القطر أو خارجه‏.
‏ويقول معروف إن تميز ورش الإسكندرية يأتي من أن هناك أنواعا من الخشب لا تتوافر إلا في مصر مثل خشب التوت والسنط، وتصنع منه المراكب، ويطلق عليه «عود عربي» حيث يشبه الهيكل الخارجي آلة العود الموسيقية، فيما عدا ذلك جميع أنواع الخشب واللوازم الآخري تكون مستوردة. ويضيف معروف: كلنا يد واحدة، فإذا كان أحد في مشكلة يتجمع الكل لحلها ونذهب لأي معلم كبير لينهيها. وحاليا توجد جمعية خيرية لرعاية العاملين بصناعة السفن حيث أن العمل متذبذب وفقاً لقرارات التصنيع. وعلى الرغم من أن هذه المهنة رزقها وفير إلا أن أصحاب الورش والعاملين بها يعايشون حالة من القلق الدائم بسبب قرارات وقف تراخيص بناء السفن واليخوت بتلك المنطقة مما يعرضهم للبطالة وقلة الدخل، خاصة أنهم لا يعرفون مهنة غير صناعة اليخوت والسفن، والتي توارثوها عن أجدادهم.

هناك تعليق واحد:

eslam el baron يقول...

الله ينور بجد .. التحقيق أمتعنى جداااا
و دايما بالتوفيق كده
و دايما ترفع راس إسكندرية لأعلى مكان
بأحلى تحقيقات

جميع الحقوق محفوظة © 2013 مرفوع من الخدمة
تصميم : يعقوب رضا