مجلة مرفوع من الخدمة

الأربعاء، 4 يناير، 2012

تجارب الحكم في الإسلام السياسي الجزء الاول نظام جعفر النميرى وتجربته الإسلامية فى السودان


تجارب الحكم في الإسلام السياسي الجزء الاول نظام جعفر النميرى وتجربته الإسلامية فى السودان

ان أولى المشاكل السياسية التي يعاني منها نظام الحكم الانقلابي هي مشكلة شرعية .ان إحساسه بأنه استولى على السلطة خلسة بجعله قلقا من أن يسقيه الآخرين بنفس الكأس لذلك نجده مشغلا بتدني سياسات واتباع نظم يحسبها قادرة على منحه شرعية توسع قاعدة قبوله وتقفل الطريق أمام المغامرين المتآمرين عليه في صفوف القوات المسلحة.


في عام 1982 بعد آخر انتفاضة شعبية وقعت في يناير 1982م أصدر النظام قانونا قمعيا جائرا سماه قانون الطمأنينة إضافة إلى قانون أمن الدولة لتقوية القبضة القانونية على الشعب. وقانون الطمأنينة هذا شبيه بقانون العيب الذي استنه الرئيس المصري أنور السادات وهو قانون فضفاض ويمكن في نظره أن يكون أي عمل مهما كان بريئا جريمة تستحق العقاب.

ورغم التعديلات الدستورية المتشددة والقوانين القمعية المتعددة فان تطبيق القوانين بواسطة الهيئة القضائية يضعف من قبضة النظام على الشعب إذا كانت الهيئة القضائية تؤثر عليها مفاهيم العدالة وكرامة المواطنين .وبدا للنظام أن الهيئة القضائية تشكل عائقا في سبيل فرض استحكاماته الأمنية خاصة بعد أن دخلت الهيئة القضائية في نزاع مطلبي مع النظام وخرجت منه منتصرة في عام 1981م. كان من بين قضاة الهيئة القضائية السودانية لجنة نظمت مواجهة في نزاع مطلبي مع النظام في عام 1981م. وعرفت تلك اللجنة باسم لجنة دار القضاة لأنها كلفت بالإشراف على تأسيس دار للقضاة. ووضع القضاة بقيادة اللجنة دستورا للدار نص على أن من واجب القضاة المحافظة على استقلال القضاء وحماية حريات المواطنين.

إن في التزام القضاة كجماعة بالدفاع عن استقلال القضاء وبحماية حريات المواطنين جسارة لا يمكن أن يسكت عليها نظام يرد أن يسخر كل أجهزة الدولة وعلى رأسها القضاء لبسط سلطاته وإسكات معارضيه لذلك لم يكن مستغربا أن يدخل النظام في مواجهة أخرى مع الهيئة القضائية.

بدأت المواجهة في يونيو 1982م عندما هاجم رئيس الجمهورية في خطاب علني القضاة وحملهم مسئولية تعطيل مصالح الناس وعدم الفصل في القضايا والانغماس في الشهوات. وأعلن أنه سوف يصلح هذا الفساد وأول خطوة نحو الإصلاح طرد 42 قضيا من الخدمة, وأنه سيلحق بهم آخرين حتى يطهر صفوف الهيئة القضائية. كان من بين هؤلاء القضاة المطرودين 25 قاضيا حامت حوله شبهات. ولكن البقية وهم 17 قاضيا كانوا هم أعضاء لجنة دار القضاة المقصودين أصلا بالطرد. لم تمتثل الهيئة القضائية لهذه الإساءة ولا للطرد وواجه القضاة النظام موحدين فاضربوا عن العمل ثم قدموا استقالات جماعية وصمدا على موقفهم لمدة ثلاثة شهور. حاول النظام الانقضاض على القضاة كما فعل بنقابة السكة حديد وأعلن عن قبول الاستقالات وفتح الباب لتوظيف قضاة من أربا المعاشات من " أفاضل الناس " للحلول محل القضاة المستقيلين. هذه الخطة فشلت فلم تضعف عزم القضاة ولم يتقدم أرباب المعاشات للحلول محلهم . ووقف الرأي العام السوداني مع القضاة وأيدتهم القوى السياسية ودعمتهم نقابة المحامين أدبيا وماديا.

حاول النظام استجلاب قضاة مصريين للسودان فوقفت الهيئة القضائية المصرية ضد ذلك وانتشر أمر القضاء السوداني وعرف الذين في كل مكان أن ركنا من أركان الدولة السودانية قد انهار. وصار لموقف القضاة إعلام قوي داخل السودان خارجه وعقدوا ندوات مفتوحة ومستمرة في دار نقابة المحامين فاقبل القانونيون السودانيون عليها وأقبل معهم جماعات من المواطنين … هكذا تكونت نواة نشاط متزايد فصار الناس يتوقعون اتساعه حتى يؤدي لإضراب سياسي شامل. ومع ظهور احتمالات الإضراب السياسي قرر النظام أن يتراجع ولكن لكيلا يظهره التراجع بمظهر الضعف فتتحرك ضده النقابات الأخرى قرر النظام أن يغطي تراجعه بافتعال موقف هجومي. أما التراجع فقد اختار النظام وسيلته إليه وذلك بتعيين لجنة للنظر في مطالب القضاة على رأسها أحد القضاة الكبار المعروفين بتأييده للمطالب. فأوكل النظام للجنة مهمة في المطالب لتضع توصياتها فيقبلها ويكون بذلك قد وضع حدا للمواجهة مع الهيئة القضائية.

أما التحرك الهجومي الذي يغطي التراجع فقد كانت وسيلته كالآتي:

كان رئيس الجمهورية قد التقى بقانوني أسمه النيل عبد القادر أبو قرون في إحدى المناسبات الصوفية، وعرف إن له توجها إسلاميا دون ارتباط بأي تنظيم فأرسل في طلبه وكلفه بوضع تشريعات إسلامية وإصلاحات قانونية ليصدرها رئيس الجمهورية بأوامر مؤقتة .معلنا بذلك " ثورة قضائية " لتحقيق العدالة الناجزة ومعلنا تطبيق الشريعة الإسلامية ومتخذا من التطبيق الإسلامي والعدالة الناجزة منبرا لمحاربة الفساد.

عكف السيد النيل عبد القادر أبو قرون على مهمته العاجلة وطلب الاستعانة بصديق له وصفه بأنه أقدر منه على هذه المهمة هو السيد عوض الجيد فسمح له بالاستعانة به . فأعدا القوانين اللازمة ووضعا ما اعتبراه خطة لتطبيق الشريعة الإسلامية. وأبلغا رئيس الجمهورية بما أنجزا ووضع توقيتا مناسبا لإعلان قبول توصيات لجنة القضاة وإعلان الثورة القانونية الجديدة التي ستغطي تراجعه أمام القضاة وتضعه في موقف المبادرة والهجوم – عصا موسى التي تلقف ما يأفكون.

هذه القرارات التي كشفنا عن ظروفها هنا فاجأت السودانيين جميعا بل فاجأت أعوان النظام أنفسهم. ورغم هذه الحقيقة حاولت أجهزة الآلام أن تدعي أن ما حدث كان متوقعا وكامنا في وثائق النظام وسياساته المعلنة ولم يكن وليد لحظاته وظروفه.


وبايجاز تتكون التجربة من الإسلامية من الأحكام والقوانين والإجراءات الآتية:
- قانون العقوبات لعام 1983م الصادر في سبتمبر 1983م.
- قانون أصول الأحكام الصادر في سبتمبر 1983م.
- قوانين إجرائية وتنظيمية صادرة في سبتمبر 1983م هي: قانون الإجراءات الجنائية، قانون الإجراءات المدنية. قانون مجلس القضاء العالي، قانون الهيئة القضائية ، قانون النائب العام. قانون المحاماة.
- قانون المعاملات المدنية الصادر في فبراير 1984م.
- أخذ البيعة لرئيس الجمهورية إماما للمسلمين في قرية أبي قرون بينما كان يحضر احتفال النصف من شعبان 1404 هـ (مايو 1984م).
- تقديم تعديلات للدستور في يوليو 1984م لمواكبة الخط الإسلامي.

تم الجزء الأول ويليه الثاني

0 comments: